مجموعة مؤلفين

323

نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية

وفي هذا المعنى نورد القصة التالية : يحكى عن الشريف الرضي عليه الرحمة ، أن أحد الأغنياء أحب أن يجود عليه وعلى تلاميذه بمال . فجاءه وهو يعطي درسا لأربعين من طلابه في بيته . فعرض عليه العطاء . فقال : أما أنا فلا حاجة لي بمال ، وأما طلابي فلا مانع من اعطائهم . فدار الغني عليهم فردا فردا يسألهم ، وكلهم يجيب : حسبنا أننا نملك قوت يومنا ، فما نصنع بالمال وحين وصل إلى الطالب الأربعين ، تناول الطالب دينارا من الغني وكسره قطعا ، ثم أخذ قطعة واحدة . . . ولما انصرف الغني ، التفت الشريف إلى ذلك الطالب وقال له : ما دعاك إلى فعلتك يا هذا قال : جاءني من أسبوع ضيوف ، وليس عندي زاد أطعمهم ، فاستدنت شيئا من المال حتى أطعمتهم ، وما زال الدائنون يطالبونني بحقهم ، فذلك ما دعاني إلى أخذ قطعة من الدينار أسدّ بها حاجتي ، وأدفع عن نفسي مغبّة الناس . . . فلما سمع الشريف قوله ، استدعى الحداد وقال له : هذا مفتاح خزانتي ، فاصنع لي مثله أربعين مفتاحا . ووزع المفاتيح على طلابه ، وقال لهم : من كانت له حاجة فليأخذها من خزانتي بدون علمي . . . وهذا منتهى البذل والايثار . 2 - التوازن الاجتماعي : ونعني به تحقيق التوازن بين أفراد المجتمع في مستوى المعيشة ، وإن اختلفوا في مستوى الدخل . والتوازن في مستوى المعيشة معناه أن يكون المال موجودا لدى أفراد المجتمع ومتداولا بينهم ، إلى درجة تتيح لكل فرد العيش في المستوى العام . وقد قام الاسلام لتحقيق هذا الهدف بعملين ، أحدهما من الفوق والاخر من التحت . فضغط مستوى المعيشة من أعلى بتحريم الاسراف على الغني ، وضغط المستوى من الأسفل برفع مستوى المتدنّين في المعيشة إلى مستوى أرفع . وبذلك تتقارب المستويات حتى تتقارب في مستوى واحد ، يضم درجات متفاوتة تفاوتا جزئيا ، وليست متناقضة تناقضا كليا في المستوى ، كالتناقضات الصارخة بين مستويات المعيشة في المجتمع الرأسمالي . يقول معاوية : ( 1 ) إن بالفقر تتواضع النفس ، ويرقّ الطبع ، وبالثراء يستفحل شر الخيلاء والعتو ، فلنختر وسط الأمرين ، برفع مستوى الفقير إلى ما يرفهّ عنه ، وإنزال

--> ( 1 ) انّ كلمة معاوية هذه لا تدلّ على ما يريد المؤلف الاستدلال عليه فانّ معاوية لم يدع إلى رفع الطبقية ، بل هو يدعو إلى ابقائها وتكريسها ، حيث انهّ بالنسبة إلى الفقير لم يطلب سوى الترفيه عنه ولعله لاسكاته . امّا بالنسبة للغني فانهّ طلب الحدّ من شراهته وجعلها شراهة معتدلة ولم يطلب تقليص شرائه أو تحديده ولا خفض مستوى المعيشة عنده . . . لتتقارب المستويات ويرتفع التناقض الطبقي . . . ولا نتوقّع من معاوية الّذي كان حتّى في زمن عمر بن الخطاب يعيش حياة البذخ والترف والنعيم . . . الا مثل هذه الكلمة المعبّرة عن نواياه وأهدافه . . . وهل مثل معاوية الجاهل بتعاليم الشريعة وأحكام الدين في مستوى من تؤخذ عنه نظرية وأطروحات الاسلام الاقتصادية أو غيرها